"منظومة إجادة".. ماذا عن السياق الكبير؟

 

 

 

معاوية الرواحي

مقاومة التغيير، مثل الاندفاع نحوه. فطرةٌ بشرية نابعةٌ من اختلاف تكويننا الأصيل لبشر. هي شخصيات، بها من المكتسب وراثيا ما بها، وبها من الذي تجود به الطبيعة من ظروف، ومن سياقٍ يدفع الإنسان للتزامن مع محيطه الخارجي، فيوافق على شيء ليس من طبيعته، أو يرفض شيئا استقر في وجدانه كقناعة لأن المحيط العام الذي حوله يرفضه.

هذا ما يمكن استقصاؤه حاليًا عن الآراء المتضاربة جدًا عن هذه المنظومة، وما بها من رفض، وتعليقات سلبية كثيرة، ومحاولات خجولة للدفاع عنها بحجة أن هذا هو الصواب الإداري، والنموذج الجديد الذي يعزز التنافسية، والدافعية، ويُقيِّم الموظف بناء على إنجازاته، وإنتاجيته، ويصنع علاقة جديدة في القطاع العام تختلف عن النموذج النمطي الذي يوم تغيير قادمٌ عاجلًا أم آجلًا. تغيير أي نموذج ليس عمليةً سهلة في كل الأحوال، وهذا هو الوضع الطبيعي الذي ستمرُّ به.

لأننا في عُمان، لا تخلو بعض القضايا العامة من كونها أيضًا تحدث في مكانٍ آخر. الفكرة جميلة، من عساه أن يختلف أن التحديث الدائم لمنظومة العمل العام هو شيء حان منذ أمدٍ بعيد، ولا مفر منه. الإطار النظري محكم، وعلمي، ومنهجه حديث، وهو تطوير ونقلة هائلة للعمل العام.

لكن هل الإطار النظري هو الذي يتفاعل مع الواقع؟ كلا طبعًا، عندما يحين تنفيذ الخطط هناك تظهر الفجوات والبقع العمياء، والزوايا الصعبة التي تُكتشف دائما بعد تحول الأشياء من الأوراق للواقع.

العدالة قيمة ليست ساميةً فقط في العمل الإداري، أو العمل العام؛ هي قيمة سامية في كل شيء. المعطيات المرحلية التي بُنيت عليها منظومة إجادة لم تأتِ في وضعٍ ترجِّح فيه الكفة بتوازنٍ بين الموظف الحكومي، والمؤسسة التي يعمل فيها. الوضع حاليا يقول لك: الوظيفة الحكومية هي الوظيفة الأكثر طلبًا، وهي الخيار الأوَّل لآلاف مؤلفة من البشر، وهي الهاجس الساكن ثقافيا، واجتماعيا، وهي الأمل الكبير لتحقيق الحلم الاجتماعي الكبير المتمثل في الاستقرار، والضمانة الأكبر للاستمرارية. وكل يوم نمضي إلى حالة الاقتصاد النشط تتمركز الوظيفة الحكومية في المقدمة كصمام الأمان الرئيسي، ولا سيما الآن بعد أن دخل إلى الأسماع مفهوم جديد اسمه "التسريح".

من هنا تبدأ اعتبارات كثيرة في الاختفاء من الحسبان نتيجة الأوضاع الراهنة. الوظيفة الحكومية في اقتصادٍ ما صمام أمان، في اقتصادٍ آخر الوظائف التي يقدمها السوق ستكون جاذبة أكثر لما بها من رواتب عالية. التجاذب الاقتصادي الكلاسيكي، والذي حاليًا لا يحدث كثيرًا في الوضع في عُمان، ربما إلى حين الانطلاقة الاقتصادية المأمولة، والانزياح التدريجي إلى اقتصاد مختلفٍ يمثل خيار عُمان الوحيد فعليًا. مرّت عُمان بكامل مراحل النشأة والتأسيس التي كانت تحتاج إلى عدد هائل من الموظفين الحكوميين، ووصلت الحكومة إلى حالة التشبُّع التام قبل سنوات من إعادة النظر في أعداد الموظفين الحكوميين.

لم تكن النقلة هذه سهلةً على أحد. وأُضيف فوق ذلك التعديلات الجديدة التي أصبحت تربط الترقيات بالأداء، وما حدث مع ذلك من ملاحظات مستمرة تُطرح في المحيط العام. والحكاية معروفة للجميع. صناعة منطقة عدالة وظيفية، والسعي لذلك حثيثًا لا يأتي فقط من اعتماد أرقى وأفضل أدوات التقييم فاعليةً. لا جدال أن التقليل من عامل التحيُّز البشري سيكون إضافة هائلة للطمأنينة الوظيفية، وللشعور بالمعاملة الجيدة، وبالتالي ينعكس على السعادة في بيئة العمل، ويتطور مع الوقت إلى تلك الحالة من الحماسة العامة والسعي للإنجاز.

كل هذا يحدث في ظرف اقتصادي معيَّن، له أيضًا حالته الذهنية، واستعداده الوجداني. كل يوم يمضي يختلف مفهوم التعاقد عن السابق. وكل يوم ينسحب مفهوم كان يعمل عمله الساحر في فترة التأسيس، ذلك الاندفاع الحماسي بأن تكون لعُمان "دولة" وبأن تكون لها "حكومة" وبأن يكون لها "جيش"، وبأن يكون بها شوارع، وأن تكون بها مستشفيات، ومع مضي مرحلة التأسيس ذلك الذي كان حماسًا واندفاعًا إلى الأحلام أصبح واقعًا، وألفه الجميع وبدأ تكوين أحلام جديدة بطبيعة الحال. إن لم تكن أحلامًا جديدة من الأساس فهذا معناه أنت في وضع خاطئ يحتاج إلى إعادة النظر مرارًا وتكرارًا فيه.

قضية اجتماعية أخرى تحدث في مكانٍ آخر. السياق الذي يحاول التغيير قادم من منطقة علمية منهجية. أين يُطبَّق؟ يُطبَّق في منطقة ألفت من الأعراف والتقاليد المؤسسية، ما يجعل الوظيفة الحكومية مساوية للوقت، وبالتالي الترقيات بنظام الأقدمية، والمنطقي تمامًا أن يجد هذا النموذج مقاومة هائلة، لأنه جاء بعد التعاقد؛ لأن الكلام النظري سهل، مثل سهولة متابعة الواقع، والكتابة عنه، مثل هذا المقال الذي لا يدخل في التفاصيل التنفيذية يمكن رؤية المشكلة بسهولة. كل شيء يأتي بعد التعاقد يصنع حالة إعادة نظر في التعاقد نفسه، هل من موظف حكومي حاليا سيعيد النظر في التعاقد؟ أم سيضطر تلقائيًا لتقبل واقع الحال لأنه من الأساس في قطاع وظيفي يتموضع كالخيار الأول للوظائف في عُمان؟

أيضًا من باب الكلام السهل، يمكنني القول إن التنفيذ لو جاء مرحليًا، وعلى عدة مراحل، وبدأ مبدئيًا بالتعاقدات الجديدة، وتحول مع الوقت إلى حالة شمول تدريجي وتجريبي يأخذ مداه الزمني الأطول لربما كانت حالة التشكيك والرفض لهذه المنظومة أقل بكثير. يمكن لأي إنسان أن يتيقن من صحة كلامي بمجرد المرور المباشر على مئات الموظفين، وبقليل من المقابلات النوعية، وبعض الاستمارات المصممة بعناية ستجد إجابات أوسع وأوضح من لغة المراقب التي أستخدمها في هذا المقال.

الأمر لا يخلو من الحيرة! هل تنفذ هذه المنظومة، وتأخذها لمراحل التجريب والخطأ، وتصويب المسار، والتجويد، والتنقيح، وتمر بكل المراحل الآن؟ والوظيفة الحكومية هي الجذب الرئيسي للمجتمع الوظيفي في عُمان؟ أم تنتظر إلى أن تكتمل مراحل تغيير النموذج الاقتصادي العُماني، وبالتالي وقتها يمكن استيعاب الأجيال الجديدة في الوظيفة العامة بعقليتهم العالمية التي تتقبل مثل هذه التحديثات بسهولة؟ بل وتسعى لها باعتبار أنَّها الفيصل الآمن المنهجي الذي يمنع حالة التحيز البشري؟

الأمر لا يخلو أيضا من جدالات أجيال، وعقليات تختلف مع الوقت. أبسطها عقلية الموظف الحكومي من العمر المتقدم بكل ما بها من اندفاع وحماسة بناء، إلى عقلية الجيل الجديد الذي لا يفهم ماذا يعني حماسة البناء وهو يرى أبنية جاهزة، ومنظومات تتطور! وجود المنظومة في حد ذاته ليس مدهشا للجيل الجديد، أما نحن الذين عشنا أزمنة دهشة المفاهيم الجديدة فنسكنُ في هذه الدهشة.

دهشة البناء لم تتوقف في عُمان، والآن هي لحظة مفصلية اقتصادية فارقة في تغيير النموذج الاقتصادي تدريجيا، والذهاب نحو نموذج آخر. وبكل الاسئلة التي تأتي مع ذلك والتحديات. الوظيفة الحكومية مع الوقت ستكون أقل جذبًا من السابق متى؟ في الحالة التي يتخلق فيها اقتصاد صانع للوظائف، وجاذب للعقول العشرينية الجديدة التي في قمَّة نشاطها وادائها ورغبتها في التحقق.

هُنا من الحكمة استباق هذا الموضوع الذي لا يعلم متى حدوثه، خلال سنة، خلال خمس، خلال جيل! المنطق يقول أن تحقق هذا السعي سيقود تلقائيا لهذه النتيجة.

إنْ كان التغيير سيحدث في تقييم الموظف، يجب أن يتبعه أيضًا تغيير في تقييم المدير. ما دامت العدالة الإدارية ستكون سيدة الموقف، فلتكن من كل الجوانب، ومع أن هذا ضمن الخطط التي تحدث، إلّا أنَّ توضيحها لا يجد الحماسة نفسها بقدر الدفاع المستميت، وحماسة التبرير، والتلطيف الزائد عن منظومة مثل إجادة. هذه المنظومات يجب أن تحين عاجلًا أم آجلًا، الذي يجب أن يحين معها هو الشمولية في تنفيذها على الجميع، وأن يوضع كل هذا على الطاولة.

أكثر ما يُحزنني في الموضوع بشكل عام هو أنَّ خطوة حديثة للغاية مثل تطبيق اختبار سيكومتري على جميع موظفي القطاع العام قد يذهب أدراج الخسارة بسبب ارتباط هذا الاختبار مع منظومة لا علاقة حقيقية لها به. اختبار توماس السيكومتري لا يقيم من باب (الأفضل، والأسوأ) بقدر ما يقيم (الأنسب، والأنفع) من السلوك الوظيفي. خطوة أخرى من تحييد التحيزات البشرية ودمج وسائل تقييم قياسية ممنهجة ومعتمدة علميا في المنظومة ككل.

المحزن أن تكون حالة المقاومة والتعامل الرافض مع المنظومة سببًا في تكوين بيئة سلبية تجاه هذا الاختبار السيكومتري، وبالتالي يصنع لك فيضانا من البيانات التالفة، والتي تفقد الهدف الحقيقي منه. ولأن الموضوع نفسي بحت، ومرتبط بعلم النفس الذي من الاساس بدأ غريبًا، ويعيش غريبًا، هذه الغربة موضوع وجودي من الصعب حله هكذا.

تأملت خيرًا أن تكون النتائج المذهلة- التي حققها اختبار توماس عالميًا وفي مؤسسات كثيرة- سببًا في إزالة بعض اللبس عن دور علم النفس في سوق العمل، وعن فائدة متخصصيه في رفع إنتاجية مؤسسات كثيرة، وتشخيص واستباق مشاكل في بيئة العمل، فضلًا عن صناعة بيئة مهنية أقل قلقًا وسُمِّيةً فقط لأن الاستباق النفسي حاضر وجاهز لتحييد بعض المشاكل بكثير من الأدوات المعدة سلفًا، أو المهارات المباشرة للمتخصص الذي يعمل داخل المؤسسة ويتفاعل معها بشكل مباشر وفق أدوات تخصصه.

كل شيء في (الما-حول) العُماني يُنبئ بالتغيير، يذهب نحوه، إما يحاولُ معه ويحقق شوطًا فيه، أو يحاولُ أن يحاولَ معه ليبدأ فيه. هذا هو الجو العام حاليًا في عُمان، ليس فقط في القطاع الحكومي، ولكن أيضًا في معظم القطاعات. عملية تجهيز كبيرة تتم بمستويات متعددة من السرعة، ومتفاوتة في الإنجاز.

إجادة إحدى هذه الاشياء التي تحدث في هذا السياق الكبير، ولذلك الأمر ليس في جودة المنظومة أو سوئها، الأمر في مكانٍ آخر مختلف، في إيصال رسالة العدالة الوظيفية، والمدرسة الجديدة، والنماذج المتغيرة بشكل تامٍّ، وبإقناعٍ مستمر، وليس بلغة الأمر الواقع، والتي ربما تكون ممكنة الآن مع الوقت، إنْ لم يتم استباق واقع اقتصادي مغاير وقادم وجديد بكل مفاهيمهم المختلفة والمتحركة. وقتها كل هذا الذي يبدو الآن جديدًا للغاية، سيصبح جزءًا من التنظيم المنطقي للحياة. وهذه التي اسمها "الحياة" بها أسئلة كثيرة جدًا، وأنماطها ونوعيتها، والتعامل مع القلق المرتقب لأي اقتصاد نشط وفي حالة انطلاق هذا في حد ذاته موضوع للكتابة، حان وقته وبدأت أهميته تتزايد مع الوقت.

الأكثر قراءة

z